قراءة في رواية ( لهو الأبالسة) للكاتبة سهير المصادفة

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
06/06/2010 06:00 AM
GMT



من الممكن القول ان الشاعرة الكاتبة المصرية سهير المصادفة قد دخلت واثقة الى عالم الرواية العربية ، واستطاعت ان تسجل اسمها بين الاسماء الروائية العربية المبدعة ، وانها طرقت بجدية أبواب الرواية العالمية . يشهد على ذلك ، الجهد التأسيسي الخلاق الذي تتميز به رواية (لهو الابالسة) ، باعتبارها عملاً روائياً بكراً للكاتبة بعد ان نشرت عدة دواوين شعرية .
    لقد بنت الرواية عالما حكائياً سردياً ، مستخلصاً من عالم المتن السردي الحكائي الأصل ، بشفافية وسلاسه وصدق ولغة عالية ، ومقدرة سردية متشعبة ومتنوعة وجريئة ، كما تميزت باستقلالية فكرية وحياتية . عيرت عن نفسها بالتعامل الجدي الرصين والحياد الموضوعي  ، والصراحة ذات البعد الاخلاقي الرفيع ، خاصة مع الأقانيم الثلاثة الخطرة ( الجنس/ الدين/ السياسة ) واستطاعت الولوج بكثير من الأتزان الى مشاهد تمويهية تشير ولا تقول ، وتوحي ولا تصرح ، وان صرحت فانها لا تخدش احساس ومشاعر ومرجعيات القراء الذين قد يكونون بالغي الحساسيه او متطرفي الاتجاه ، في صورة فيها من الايحاء قدرة أكبر على التأثير في المتلقين ، وحيث تكون الوشاية مجردة من تهافت اللغة ومن فضاءات إعلانية تجرد السرد من قدسية المعاني ، وتجرد المشاهد من غواياته التحيه ، ومن اسقاطاته الذاتية .
   ولعل هذه الرواية ، من الاعمال التي فاجأت الوسط الأدبي المصري والعربي لأكثر من سبب، الاول انها الرواية البكر للمؤلفة، والثاني لأنها امرأة ، ولأن هذه المرأة قد تجاوزت عالمها الأنثوي محدود الآفاق وتعاملت بموضوعية ووضوح مع الأحداث والشخصيات والمشاعر ، من جهة ، ومن جهة أخرى اكدت هذا العالم الأنثوي وعمقته بقدرتها الفائقة على استكناه ادق الهواجس الإنسانية للمرأة بوجه عام ، وللمرأة العربية خاصة ، وعن التعبير عن جماليات الأفعال بدقة متناهية مستفيدة من تلك الغلالة الحريرية الشفافة التي تؤجج في القارئ خيالاً تصويراً شاسعاً مع توفر قدر كبير من اضفاء الاحترام على ما أرادته الطبيعة الانسانية في توشيح علاقة المرأة بالرجل ، واعتبار طقوس مجتمهما نوعاً من الفرض الإلهي على بني البشر .
 ولكون التعرض لمثل هذه الرواية ، ولكل عمل آخر ، مسئولية فنية وفكرية فسنتعتمد في هذه القراءة لها ، على تناول جزئياتها ، فرعاً فرعاً ، للاحاطة أكبر قدر من مميزاتها وتفاصيلها .
العنوان
    يشير عنوان الروايه ( لهو الابالسة ) الى مرجعاياته وإحالاته وانزياحاته، بشكل واضح لا لبس فيه ، من خلال استعادة ظلال الكلمتين ، وجذريهما اللغوي، وما تمنحانه من إشارات ومضامين على مستوى منحنيات الثقافة الأنسانية وتاريخ الحضارة والفكر والدين ، وما أعطتنا اياه تجربة الفلاسفة والمفكرين والأنبياء . فهناك ثنائية ( الملائكة / الأبالسة ) وكما هو معروف فان إبليس قد تمرد على أمر الله العلي القدير بعدم السجود لآدم فتوعده الله بعذاب الجحيم في حين سيقوم إبليس بغواية البشر في هذه الحياة الدنيا على الأرض بعد استئذانه الله عز وجل . لذلك فإن الإيحاء الأول للعنوان هو أن احداث الرواية ستجري في مكان اشبه ما يكون بالجحيم ، وان لهو الابالسة ، هو لهو أبليسي ، فيه كل ما في الإبلسية من صفات الغواية والشرور والأنحراف عن جادة الحق والصواب ، وستنطبق هذه الصفات على الاطرالمكانية والزمانية وعلى سلوك وحياة ومصائرالشخصيات الذين سيتخذون من الإبلسية منهجا لهم ، فمنهم من يقود ومنهم من يُقاد ، وسيكون لصورة الأبليس الأول نماذج كثيرة تتكرر في محاور الرواية وأحداثها ، وسيتمثل الأبالسة صورة جدهم الأول ويجرون ابناء آدم الى الخطايا والآثام . عالم الرواية اذن ، عالم جحيمي تتحكم فيه الأبالسة مستعرضة لهوها الأسود الدموي وفارضة إياه على هذا العالم ، جالبة إليه الخراب والعذاب والشرور والمآسي ، ومتحدية القوانين الأساسية التي ارادها الخالق أن تسود الأرض وبواسطتها سيكون بإمكانه ان يعمرها ويطورها .
الإهداء والمرجعيه
                        بين الاهداء والمرجعية اكثر من وشيجة . لعل في مقدمتها التعبير عن الوفاء ، واشهار الاحترام ، والاعتراف بالفضل ، للمدد المعنوي والثقافي والنفسي والحياتي وأحيانا ،المادي ايضا وقد تكون الاشارة متضمنه معنى المرارة والالم والحزن والحرمان والقلق والعتاب، لما سببته تلك المرجعيات من تأثيرات ذات اتجاهات تحفيزية نقيضة او باعثة على الشكوى الضمنية المولودة من خلال العمل الأدبي .
     ويمثل الاهداء والمرجعية جوانب من اربعة عوالم ، هي عالم العائلة ، وعالم  الوطن وعالم الغربة والسفر ، وعالم الشعر العربي .
فاذا نظرنا الى المهدي إلية الأول فهو ( الابن ) الذي من أجلة –أي من أجل جيله والأجيال التالية – تعمل الرواية على كشف الواقع المرير المظلم ، مقترحة في اداء سري بدائل نقضية تشكل العالم الاجمل والمستقبل الأفضل ، والابن هو الضحكة التي تملأ جنان الروائية في مشهد ملئ بالدموع والحزن والكآبة ،عل  تلك الضحكة تعطي ذلك المشهد ، وهو أيضا ما سيبقى من الكاتبة في هذه الحياة حاملا جيناتها ومتواصلاً معها في الاستمرارية والبقاء ، وهو مرجعية البعد العائلي الإنساني والاجتماعي للحياة السامية المقدسة . اما عالم الوطن ، فانه القاهرة مدينة الحدث والصور الأليمة من خلال ( حوض الجاموس ) الحي الفقير الذي تدور فيه الشخصيات بين حياتها وموتها ، وما تحمله حكاياته وأغانية من الفرح والحزن والعدل والإنصاف والظلمة والنور .
هو أهداء لأرض الولادة الغالية ، وهو مرجعية المسرود ، ثم يأتي عالم ( الغربة ) في موسكو ، حيث التعبير عن سعادة الأيام ورقي الفنون ، وانقلاب الأوضاع السياسيه بانهيار الدولة وتفتت المشهد ، فهو إهداء لجانب ، ومرجعية في جوانب ، ثم أخيراً عالم( الشعر) العربي من أول ما تصل إليه إيدينا إلى آخر قطعة شعر ، توردها الكاتبة ، موزونه موسيقياً ، في سياق سردها ، وما تشبعت به الرواية من شعرية عالية في نسيج السرد الروائي وحيث التصوير الفاذ للحياة العربيه منذ اول  نشأتها وتطورها ، وما يولده من انزياحات تكاد تكون شاملة لما نشاء من اقتراحات وتفصيلات وشؤون وشجون ، هذا الشكل المشبع بالشعرية الشفافة في مواجهة الحياة الواقعية السردية ، التي تكاد لغرابتها تقترب من الواقعية السحرية ومن التخيل الأسطوري ، ومن الأحلام الغرائبية ، والكوابيس اليومية المختلطة ما بين الواقع والخيال ، والشعر اذن اهداء ومرجعية باعتبار ان الشعر ( ديوان ) العربي ومورثة ، وهو ( ديوان ) العربي الذي سيكون موقعة ومكانه ، ومكان استقبال أهله وضيوفة أيضاً.
سمكة الجيتار – حوض الجاموس
                                             قسمت الكاتبة روايتها الى تسعة اجزاء رئيسية ، وكل جزء منها يتكون من قسمين ، الاول قصير جداً ومكثف وشعري بعنوان ( سمكة الجيتار ) ، والثاني طويل سردي يقدم أحداث وشخصيات الرواية وأمكنتها وأزمنتها بعنوان ( حوض الجاموس) . فأما الأجزاء القصيرة ، التسعة ، فهي تشير الى بطلة الرواية ( مها ) وعلاقتها بزوجها وحبيبها ، والسارد هنا غالباً هو السارد العليم الذي يقدم تتابعاً مشهدياً يكون فيه الجسد أنشودة حائرة محيرة ، بين الرغبة والامتناع ، وبين التواصل والقطيعة ، وسيكون جسد الأنثى بطلة الرواية ، بمثابة آلة الجيتار لأنه يشبهها كثيراً كما تقول الكاتبة / ص 37 / . واما لمــــاذا ( حوض الجاموسي ) فانه الحي الفقيرالذي تجري فيه غالبية أحداث الرواية ( في البداية كان اسم هذا الحي (الزريبة ) ثم لجأ إليه الموظفون بعد انفجار الأزمة السكانية فسمى تأدبا ( حوض الجاموس ) / ص 10/ وهو ( مجموعة بيوت سوداء متناثرة وكأنهم ألقوها – هكذا كيفما اتفق – من مركبة طائرة عملاقة فانبطحت على الارض – مجروحة ومستاءة بعض الشئ لعجزها عن هش الذباب الاخضر عن وجهها ) /ص10/ ، ولا تخفى هنا نبرة التعجب والسخرية الضمنية فيما يتعلق بالاسم الجديد وكأنه أفضل من سابقة .
   يعتمد الأسلوب  السردى في مقاطع ( سمكة الجيتار) غالباً على الراوي  العليم كما اشرنا ، مركزاً حديثه حول قضية الحب / الجنس ، كقضية مركزية بالنسبة للمرأة المتحدث عنها ، وما يتبع ذلك من مسائل مثل الحمل / الولادة / الاطفال ، وتشكل بالنسبة للأنثى متعة وحياة وضرورة ووجود ، وتتألق الروائية في التعامل مع هذا الجزء أو الاجزاء لتقدمها بأسلوب شعري يمتلك نمط سرديته المشبعة بالغموض والكنايات والاستعارات في مقطوعات نثرية مركزة حافلة بالانزياحات الأيروسية ذات المشروعية الطبيعية الحياتية المقدسة ، وبمعادلات موضوعية شفافة تجعل من جسد المرأة ينبوع موسيقى وكأنه يغني ويعزف تمجيداً لهذا الاشتباك الحميمي الخلاق العالي الصوفية ، والغارق في فعل حقيقي من اجل تنفيذ المشيئة الكونية في تعمير الارض بالوجود الانساني جيلاً بعد جيل .
   أما ( حوض الجاموس )الحي الحقيقي من احياء القاهرة العشوائية التي كانت موجودة ، فسنعرف شيئاً فشيئاً ، وعبر التتابع السردي تفاصيلة ومكوناته وطبيعته السكانية والثقافية ومن خلال تدفق الأحداث سنكتشف ان حوض الجاموس باعتباره بيئة هو اقرب ما يكون الى الجحيم ، ناهيك عن طبيعة وسلوك واخلاق الناس الذين يسكونون فيه ، على أن جحيم  هذا المكان ليس سوى تفصيل من جحيم العالم الأوسع الذي تحيط به الرواية وازمنه وامكنة وشخصيات ، لتشكل في النهاية صورة للمساحة التي تلهو فيها الأبالسة بالبشر ، وسيتنوع هنا شكل السرد ، وطبيعة الساردين ، والانتقالات المدهشة ما بين سارد وسارد ، والتداخل الأشبه بالطبيعة العفوية المنسابة دون مطبات وعثرات تطيح بتتابعية الأحداث وموسيقية التدفق المعلوماتي ، وشعرية السرد المبدعة .
الشخصيات – الزمان – المكان :
                                       تحكى رواية ( لهو الأبالسة ) قصة فتاة مصرية متزوجة ،تعود من رحلة لها الى موسكو الى القاهرة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في حين تكون قد أصيبت بمرض خطير ، يستنزف دمها ، وينتهى بها الى الموت في خاتمه الرواية .
هذه الفتاة ( مها) متزوجة من ( احمد الدالي ) العربي المزواج والذي يتركها فترات لوحدها بين حين وأخر – بعد عودة مها الى القاهرة تسكن مع اختها ( نجوى ) في بيت قديم يعود للعائلة في حي شعبي تنامى عشوائياً هو ( حوض الجاموس) ، وفي سياق الرواية سنتعرف على بقية شخصيات الرواية ممن عاشوا في حي الجاموس أو في موسكو ، او في أمكنة أخرى ، وشكلوا أجزاء من التاريخ الشخصي لبطلة الرواية مها . بالرغم من ان لكل شخصية استقلالها الذاتي ودورها ونمط صراعتها مع الذات والمحيط ، إلا أن كل الشخصيات الواردة ، تعمل كل بطريقتها الخاصة على تعميق وتجذير فعالية وآفاق الشخصية المحورية ( مها) ، سواء أكان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر ، والتي من خلال علاقاتها وحركتها وعيونها الذكية سنتفهم اتجاهات وانماط وادوار كل شخصية على حدة . وتتميز شخصيات الرواية عموما ، بأن أبعادها حادة وجارحة ، وان صفاتها منحوته نحتا ، وتزداد تميزاً كلما تدافعت الأحداث ، حتى التبدلات التي أصابت عدداً من هذه الشخصيات ، كانت تبدلات دراماتيكية شديدة الوطأة عميقة الفعل . على أن هناك ما يوحد في النهاية من اشكال النماذج البشرية في القيم والسلوك والافعال ومن ثم لنشهد صورة البانوراما القاتلة التي توضح بشاعة الواقع وقساوته ،وحجم السقوط الاجتماعي والاخلاقي ، وطبيعة العالم الذي يكتنفه الشر والرذيلة ، انه عالم الأبالسة ، عالم الجحيم .
واذا ما عدنا الى الشخصية الرئيسية ( مها ) فسنجد انها ، تزوجت في لحظة ما بشكل أقرب ما يكون الى العشوائية ، في لحظة إنسانية عاجلة تنفيذاً لرغبة داخلية وخارجية مفاجئة ، ثم عاشت هذا الزواج مع رجل أكثر وقته مع زوجات أخريات ، أما الحب الذي تصوره الرواية فإنه يتأرجح بين الرغبة في امتلاك وحضور الزوج ، وبين رغبة مضادة في أبعادة والتخلص منه . انه الحب المدمر الذي يتسامى في معانيه وافعاله المختلفة الى حدود الصوفية ، ولكنه من ناحية أخرى يتهاوى الى حضيض التمتع بالمرأة اللحظوي دون بناء وشائج اخرى هي من حتميات هذا الحب، وهو العائلة، لذلك فإننا لم نر ثمة عائلة ، حتى الطفل فاننا نراه يشكل خطورة على حياة الأم نفسها فيغرقها بالنزيف الدموي المستمر. وبعد كل ذلك التأكيد الذى تعطيه (مها السويفى)  لجسدها، والإعجاب الذى يغمرها به الآخرون لجماله الاستثنائي،يسقطها هذا الجسد نفسه من خلال خرابه الذاتي، فهل كان خلاصها الوحيد(أن يعزف جسدها أغنيته، وأن تسمع على الرغم من صخب ارتطام الأمواج) ص239، يأتى الجواب منها نفسها حين تقول(لن تشكو الأسر ولن تغنى ابداً للخلاص، ستتمنى فقط أن تسرد وبصوتها هى الحكاية حتى النهاية)ص323.حيث تعمل على كتابة قصتها، ليس قصة الجسد قط، انما قصة المرأة، جسداً وروحاً وآلاماً وامالاً، قصة المرأة، الأنثى وحيث سيتحول كتابها نفسه فيما بعد إلى كوبة من الرماد. ومثلما حطمت اللعنة الأبليسية فى لهوها بالكائن الإنسانى (مها السويفى)، فإنها ستطال زوجها (احمد الدالي) الذي سينتحر، وأختها التى ستصاب بالجنون والمرضى وتفوح رائحة جسدها النتنة إلى خارج منزلها، وسيعم هذا المشهد الفاجع أكثر شخصيات الرواية، منتهين إلى القتل    أو الجنون أو الموت ، أو الانتحار...ألخ، وسيشمل المشهد ليس عالم(حوض الجاموس) وحسب، وأنما عالم (موسكو) أيضاً على ما في العالمين فى فروق واختلاف،أنه عالم الخراب والظلام والخطيئة وها هو ذا زوجها الدالى يخاطب جثمانها المحمول على الأكتاف قائلاً(طيرى يا مها طيرى. نعم أمامك البحر وخلفك هذا الخراب العظيم) ص369، الذى يسهم فى الانتهاء الفاجع إليه كل اولئك الذين يمتلكون السلطة والمال والأيديولوجيات والنفوذ، حتى أولئك الذين لا يمتلكون شيئاً غير هواجسهم المريضة وأحلامهم المزيفة، وأهوائهم العاجزة، وكأن الجميع يتضارون لاستكمال المشهد الخرب بشرأ وزماناً ومكاناً.
أما المكان فهو هذا الحي الذى  تصفة الرواية (حي الجاموس) والذى سنكتشف بشاعته كلما توغلنا فى القراءة (أخيراً تتحسس سكينة سور سطحها، وجهها لم يكن موجهاً ناحية أبنها، وانما للجانب الأيسر حيث تشاهد – إذا ما استطاعت الرؤية- صحن البيت الملاصق لها، الحمار الذى يرفع أحدى ساقية الخلفيتين وبكثرة وضجة يبول ويعود إلى نهيقة، وأمرأة تحوم حوله تشبة إلى حد كبير السمكة مما يجعل من الصعب تحديد عمرها، أخذت تنظف الطبلية التى تتوسط صحن البيت دونما سبب واضح فكل شئ فيما عداها وسخ- ثم ينساب باستقامة جدار بيتها طابور طويل شبة ابدي من العشش التى لا تشبة واحدة منها الأخرى، فإحداها مغلقة بستار من قماش قديم، وأخرى بقطع صفيح من علب  السمن الفارغ، أوبأكثر من لون ونوع فى الأخشاب المتراصة المثيتة بالمسامير، وسكان هذه العشش جميعهم خارجها منتاثرون أمامها على طول الشارع، به يطبخون،ويغسلون، ويغمزون بأعينهم خلسة، ويتشاجرون) ص17.
حى مليئ بالفقر والجهل والمرض والظلام والجريمة والمحرمات والعاهات والجنون ولخرافات،وسيكون محور أحداث الرواية، الا أن هناك عدداً من الأمكتة الأخرى ترد فى سياق الرواية لها مواصفات خاصة بها. ولكن الذى يعني القاري هنا هو حي الجاموس بعجائبه وغرائبه.
أما زمن الرواية فإنه متشعب ومتعدد كذلك ما بين حاضر متوهج منعكس فى دلالات الرواية، أو أنه ما من مكتوب أو مستذكر، أو أنه مستقبل يجري إلى الحاضر عبر تدفق الرواية وأحداثها، على أن فى الرواية أزمنة كثيرة تتماهى مع طبيعة السرد ومرجعياته وانزياحاته، الزمن فى الرواية يمتد أفقياً وعمودياً، فنرى من خلاله التاريخ والتجارب الإنسانية ونراه على امتداد الجغرافيا ومكامن نشوء الحضارات كما نراه فى الخيال توقعاً وفي الأحلام أمالاُ، وفى الواقع فراغاً. ناهيك عن تفاوت فى الأزمان ما بين شخصية وشخصية، وتفاوت فى فهمه واستيعابه وفى الإفادة من قدراته. وسيبدو من خلال السرد الروائى زمناً آينشتانياً، أن صح التعبير، يتحجم وفق رؤيته، والانصهار فى رؤياه.
الجنس - السياسة- الدين:
                              تتعامل رواية (لهو الأبالسه) مع هذه الأقانيم الثلاثة، بجدية ، وحذر، وجرأة، فى الوقت ذاته. ويكاد هذا المثلث السلوكي والمعرفي يشكل أوسع أرضية تتحرك عليها أحداث الرواية، وأقصد الجنس والسياسة والدين.
أما مسألة الجنس فإنها تأتي على عدة محاور، فى مقدمتها، تماهيه مع حالة الحب، وخاصة ما تعبر عنه شخصية (مها السويفي) و زوجها (أحمد الدالي)، ويكاد فى حالتهما، أن يتوحد الجنس والحب فيصبحا شيئاً واحداً، لقد كانت بداية معرفة الدالي بزوجته لحظة إعجاب بجمالها فقط، حيث كان هو الدافع الاول للارتباط دون معرفة اية خلفية اخرى أضافية. وعلى مدار أحداث الرواية يظل ذلك الجوع  الأبدي المتبادل للجنس بينما يتعمق ويتصاعد حتى يصل إلى ذرواته القصوى، لاسيما، وأن هناك فترات متعاقبة يغيب فيها الزوج عن زوجته، وما بين الجوع الأبدي ذاك بين الأرتواء المتواصل الذى ينهكه الانطفاء الآني، يأخذ مفهوم وسلوك الجنس بعداً صوفياً وسحرياً وفلسفياً، حيث يسمو إلى حالة من الإنشاء البشرى الذى تعامل مع الحياة منذ أول إنسان على الأرض يكتشف أعجوبة زوجته ورفيقته الأنثى، (كان الله يعلم وهو العلام القدير بأن أدم عليه السلام لن يعي معجزة الله بخلقه الا أذا رأى نفسه وكان لم يرها بعده ، فخلق له حواء ولكي يرى، ولكي يعي، فماذا يفعل سيدنا أدم وهو يجد أمامه تجليا من  تجليات الله سوى أن يحبها ويفتش فيها عن قدرة الله وحكمته فيكون عناقهما الأبدي هنا إحدى العبادات )ص96، حتى ليكاد البعد الروحى الموازي يتضاءل شكلياً، ليفسر معرفياً واستنتاجياً حين تتساءل (مها) (الحب يا نجوي محنة للمحب ومحنة للمحبوب، أنه قد يقيم أود الجسد ولكن ماذا عن الروح التي لا ترتوي منه مطلقاً؟!)ص95.
وإذا كان هذا الحب الي يأخذ فى منحاه الجنسي حالة من التوحد والذوبان والتلاشى فى الآخر، فإن هناك، حالة أخرى حينما يرق الشاب(أحمد منصور ) فى حمى تخيلاته واقتحاماته لجسد (مها السويفى) فى أشواق حادة من جانب واحد (وقال يا أم: أنني أحب شكل جسد مها السويفي فى الفراغ فألج فيه سببي أثناء أحلامي، فقط لأفصل أوراق النعناع عن خصلات شعرها، وأهداب الفلفل عن سرها السفلي واشد عودها على نغمته الصحيحة، وقال يا أم دثريني قد قالت لي: ستموت مثل من ماتوا وستبقى سيرتك لبضع دقائق لا غير ووافقت.) ص243. وهناك ممارسات أخرى ترد فى سياق الأحداث وتدخل ضمن الأطار الجنسي، توضح نمطاً أو آخر من حياة بشر فقدوا احاسيسهم الإنسانية العليا وانحدروا إلى مهاوي سحيقة من الفعل المشوه.على أننا هنا لابد أن نشير الى أن كاتبة الرواية استطاعت أن تعبر عن أدق الحالات أيروسية دون ان تفقد اللغة سموها وتعاليها وقدرتها على التعبير دون اسفاف أو استعراض. ويحسب للمؤلفة (سهيرالمصادفة) أنها قدمت تجربة كتابية روائية تألفت فيها المعطيات الظلالية للمفردات اللغوية، وأنها مثل ذلك عرفت كيف تكون نسيماً لغوياً عالياً سبق أن أشرنا إليه فى بداية المقال. ولعل  ما يمكن إضافته هنا، أن بطلة الرواية (مها السويفى) اعتقدت أن جسدها وجمالة وجمالها العام هو أهم ركن من أركان وجودها، ولذلك فإنها كانت تستثمرة صعوداً وهبوطاً فى علاقتها مع زوجها، وأن هذا الجسد نفسه حين بدأ ينزف نزيفه المرضى الأخير، أدركت مها أنها النهاية المادية الجسدية لها، وأنها النهاية المعنوية أيضاً، فأرادت أن تعوض عن غيابها الجسدى بكتاب تؤلفة عن حياتها وحياة من عاشت معهم، ولكن الوقت فات حيث لن يدرك أحد هذه الضرورة وستبقى (مها السويفى) نموذجاً جسدياً فى المقام الأول.
أما في الجانب السياسي، فإن الرواية زاخرة بتوصيف مشاهد ذات أبعاد سياسية دخلية وخارجية، سوف يكون لها تأثيرها في حياة وسلوك ابطال الروايه .... ويبدو ان عودة مها السويفي من موسكو كان بسبب انهيار دولة الاتحاد السوفيتي يتشرد بعدئذ المئات ممن كانوا يعيشون هناك لأسباب مختلفة، وحين عودة (مها) إلى حي الجاموس، سندرك أن أوضاع الحي جزء يفترض أن يهتم به أولئك المسؤولون عن قيادة المجتمع فى جوانبة الصحية والتعليمية والأمنية والثقافية، وسنجد ملاحظات ترد هنا وهناك تقلل من دور المؤسسات البرلمانية الفعلى، أو أنها تشير إلى فعاليتها البسيطة، كما انها تنتقد المرشحين للانتخابات النيابية التى تجرى ملبية طموحات أناس ببحثون عن مصالحهم وليس خدمة المواطنين. فمثلاً حين يشار إلى أنقطاع الكهرباء في حي الجاموس نقرأ الحوار الآتي:-
- هذا كل ما حدث فى البداية ينقطع ساعة ثم يأتي، وها هي الساعة تمتد يوماً فشهراً إلى ماشاء الله.
- فنرسل شكوى جماعية إلى هيئة الكهرباء.
- وإلى وكالات الأنباء ونائبنا فى مجلس الشعب، فعلنا وضربنا بفؤوسنا فوق السحب السوداء حتى نحصل على شرارة نخصبها بطريقتنا)ص27.
وحين تشير إلى حالة روسيا تقول الرواية (حدث هذا كله قبل أن يمتطي "يلتسين" دبابة بالميدان الأحمر ويقرر وهو يذر عينيه الضيقتين- بعثرة عقد البلاد، وترى الم يسمع "يلتسين" أمنية (ديما) حينذاك؟ راح ديما، وراحت البلاد إلى الأبد.. احتفالات اكتوبر وكل الأشياء المبهجة، وبقينا نحن الذين جلبونا مما يسمى بالعالم الثالث كنباتات الصوبة التى يأخذونها من أرضها ويزروعونها فى أرض غريبة موفرين لها بعض شروط الحياة من عدل وفير وجمال) ص30 وواضح هنا تلك الإحالات التى يمكن أن يستنتجها القارئ من مثل هذه المشاهد، وحين يرد ذكر الصحف تقول البطلة (أنه شئ ممتع جداً، حاول أن تجربة، أن تقرأ نصف خبر مثلا وتكمله بطريقتك،أو أن يختلط تصريح لمسؤول كبير فى أول الشهر مع نقيضة فى آخر الشهر نفسه )ص42. وإذا كانت الاشارات هذه ترد بصورة جهيره وصريحة فإن فى الرواية إدانه للواقع العربي الذي ما يزال يعيش التخلف على مختلف الجبهات ومازال الإنسان يفتقد العدل والحرية والمساواة فى الوطن العربي الذى ينتسب إليه أبطال الرواية الذين قد يجدون خلاصهم فى السفر إلى بلدان أخرى، أو أنهم ينصرفون إلى شؤون متدنية يحلون بها مشكلاتهم عبر الجريمة والانحطاط . أن الرواية تصرخ فى وجه العالم العربى أن يفك قيوده وان يتحرر من الظلام إلى النور، الظلام الذى يغطي على كل شئ، ناهيك عن الفساد الفردي والجماعي، والخرافة السائدة، والأمية الشاسعة.
وإذا كانت السياسة هى فى المحصلة القوة المؤثرة فى حياة الأنسان العربي فإن هذه السياسة لاشك ستصل بالجميع إلى الجحيم .
أما الجانب الدينى،فإن الرواية ، تتعامل معه بموضوعية وتأن ايضاً، فالابطال الذين يعيشون مختلف الأحباطات والهزائم والتعاسة، هم أولاً مؤمنون بقدرة الله سبحانه وتعالى على تغيير أحوالهم نحو الأفضل، وهم يطلبون ذلك فى أدعيتهم وفى صلواتهم. على أن الرواية وهى تتبنى الجذور الدينية فى عمارة البشر للأرض وعلاقة الرجل بالمرأة، فإنها تنحازإلى الجانب الاعتدالي والعلمي التقدمي فى التمسك بالشعائر الصحيحة، وتلمزمن طرف خفي الشعوذة والإتجار بالدين، وتدين الخرافة والموروثات التى تستقي الجهل والتجهيل من ينابيعها، كما أن الرواية قطعاً حين تنحاز إلى البشر المتعبين وتكشف الظلم والجهل وعالم الجريمة والاغتصاب والمرض، فأنها تقف مع القيم العليا للأديان التى جاءت لتصب فى مصلحة الأنسان. وتكثر على ألسنة أبطال الرواية مفردات التوكل على الله والايمان به والخضوع لمشيئته. وكذلك أحاديث للرسول محمد صلى الله عليه وسلم ومفردات وقصص وحكايات شعبية وحكايات الجان وتتعامل الرواية مع كل ذلك وفق المستويات الثقافية التى تحكم بناء الشخصيات.
النور - الظلام:
                   لعل رمزي النور والظلام، احتلا مساحة واسعة من الالتفات والغشارة والتأكيد، فلا يكاد يمر حدث الا وتذكرنا الرواية بأن عالم الظلام والقمة يسيطر على حياة الناس فى حي الجاموس. ومنذ الصفحات الأولى تترى الاشارات إلى ذلك (ضغط أحمد الدالي جميع مفاتيح النور ولما قابلة الظلام عرفوا بأن التيار الكهربائي منقطع ) ص11. (نوافذ تعكس أصواتا ممتزجة بنهار محجوب عن اعينهم وظلام يحبوا إليهم طفلاً هادئاً بعينين ماكرتين تغمزان بخلاعة من يريد أن يقول: انه سيكبر وسيشتد ساعده وسيصير سيداً عليهم فى يوم ما)ص14.(هذا الحزن غير مزيف ولابد أن نبدد بعضة فى ليلة جديدة سوداء سيتناثر فيها نقيق ضفادع أتي من مكان مجهول وسيستدير عليها قمر غير قادر على تفتيت الظلام المحيط براسيهما) ص19،( هكذا أذن يا نجوى ليلة واحدة سواء كتلك استطاعت ان تبت فى الأمر كله وان تحدد مصيرك) ص19، (كل هذا الليل ومخازن السماء لا يفرغ ظلامها) ص26، (فلماذا لا تكون زائراً لطيفا يا ليل وتعرف متى تنسحب ومتى تكون سقفا لمن لا سقف له، لا تلح على الناس حتى لا يكرهوك ولا ترغمهم على قذفك بأفدح الشتائم، وأنجل أنت يا من كنت تزين اشعارنا واغنياتنا قرونا لماذا لا تفهم الان انك اسود كريه) ص24، (وطال الليل فارداً عباءته السوداء عليهم) ص26،  (ظل الظلام يختلف كل ليلة حيلاً عديد ولا يمل) ص36، (أين يذهب هذا النور، من أين يحصلون على بذوره، فى أي أرض يزرعونه ، ما لون الأمطار اللازمة له، وهل إذا ما جمعوه ليصحنوه ويعلبوه ويرشوه على مساءات بعيدة  كل البعد عنا، اين نصيبنا من النور يا رب، لقد تعب الناس على عتبات غيبته وجفت مآقيم من الانتظار) ص39، وهكذا تحفل الرواية باستخدام النور والظلام وما يرمزان اليه من معان وما يعطيانه فى ظلال .
افاق السرد وتنويعاته:
                        سبق أن أشرنا الى أن الرواية تتكون من تسعة أجزاء، كل جزء يتكون من قسمين الأول بعنوان سمكة الجيتار،والثانى بعنوان حوض الجاموس، وسيتكرر العنوانان بحرفيتهما فى بداية كل جزء.أما فى القسم الأول فسيكون السرد فيه على لسان الراوي العليم الذى يتحدث عن بطلة الرواية ةعن جوانب من علاقاتها خاصة مع زوجها وحبيبها (أحمد الدالي)، وسيركز السرد على تألق الجسد وقياماته المتكررة وعذاباته المشبعة بالمتعة والأنين، بالاطمئنان والقلق، بما يشبه الحب الصاعد الى حدود الذوبان فى المحبوب، وإلى حدود أخرى تهبط به الى حالة الاستغناء عنه، ويتألق السرد هنا عبر لغة رمزية مفتوحة، مشحونة باستخدامات بلاغية رفيعة المستوى. إن هذه المقاطع القصيرة أشبة ما تكون بمقاطع لقصيدة متتابعة تكون البطلة الأنثى مها السويفي هى الشخصية المعنية يها، وتكون سمكة الجيتار هى المعادل الموضوعي لها ذلك ان السرد يتناول أنعجان هذه السمكة بين (يديه)(هو) العاشق غير المسمى، المعروف من دلالاته، المتوج صياداً ماهراً وموسيقياً بارعاً يعرف كيف يعزف ألحانه الأيروسية على أوتار جسدها الملأن برغبة لا تنتهي، وفي هذه المقاطع يكون الأنزياح فيها كاملاً متكاملاً، والرمز مكشوفاً على نور اللغة النقية المصطفاة بدقة وسرية وبإلغاز مقصود بارع(من يصدق أنها فى فصيلة اسماك القرش المتوحشة؟ تلك التى أرتضت دفن رأسها فى الرمل، ومن أن لأخر تنتقض وكأنها أنتهت من كتابة شئ ما، لا يبين لأنها تكتبة برأسها ثم تمسحه بجسدها. إذا ما كنت صياداً فتمهل، وأنت تغرز فيها حربتك وتأملها ولا تخشى هروبها إذ إنها لن تحاول الهرب فهي لم تصل إلى هذا القاع الرملي الا لتدريب جسدها كي يغني أغنيته ولكي تحضر بعض النقوش ثم تستسلم لك)ص69.
فى المقطع الخامس ينقل السارد قولاً فى أنتقالة قصيرة كأنها هاجس سريع (فتقول لنفسها: ماذا أساوي أنا وسط هذا المحيط؟ انني لا شئ فى هذه المياة ذات الأعماق السحيقة) ص141،وفى المقطع السادس يخاطب السارد القارئ في إفتراضية، ثم يتحول لنقل صياح صيادين، مفترضين ايضاً،  والافتراضات ماهما الا وجهين من وجوه السارد العليم الذى يلعب بالمعنى، لمسرحته، وتوزيع أدوار كانت له. أما فى المقطع أو الجزء السابع، فإن السارد هنا سيشير الى بطلة الرواية بصيغة المستقبل، ثم ينقل سرداً تاريخياً مكتوباً منذ عصور الفراعنة (ستتردد وكأنها قرأت بردية فرعونية قديمة: لا تجعل الشمس تغرب وفى عينيك وقلبك دمعة حتى لا تحاسبك الالهه فى منامك) ص239. أما في المقطع الثامن فسيشرك السارد فى حكيه عن البطلة، حكياً اضافياً عن عرائس البحر وعن أحد ألهة الإغريق وعن أحد الموسيقيين العالميين المشهورين، لتقريب المشهد المسرود من حالة الأسطرة والوصول به إلى مقامات الأثر الخالد، أما فى المقطع الأخير، فسيتوحد السارد، وسرده للرواية، إلى حالة جديدة، تكون فيها البطلة هى الساردة الوحيدة، وسيكون زمان السرد، هو الفعل القادم، الموجود الدائم، وسنكون نحن كلنا شهوداً عليه.
اما فى القسم لثاني من كل مقطع والذى يتكرر في عنوان(حوض الجاموس) فنسطالع أشكالاً أخرى من السرد داخل الرواية، وسيقوم السرد هنا بإضاءة الأحداث والشخصيات والأزمنة والأمكنة، فى تتابعات متدرجة بانوارمية، وسيكون المفتتح تلك الأنتقالة الدرامية ما بين عالمين متناقضين، عالم موسكو وعالم حي(حوض الجاموس) تواجه خلالهما مها السويفي قدراً جديداً بدأ يتداعى خارجياً، وسوف يتداعى داخلياً، حيث تكون هى الساردة الذاتية التى تستعرض تدفق الحدث الأول، وكأنها فى حلم لا يصدق، تحتار ما بين الاشارة عن زمن ماض ما يزال حاراً فى رأسها فى روسيا، وما بين الزمن الحاضر الموازي فى سيارة التاكسي العائدة من المطار، وما بين المستقبل الذي تعدها به اختها وهي تخبرها بأحتمال تغير المنزل فى حوض الجاموس الجحيمى وإلى أخر فى مدينة القاهرة، يقطع السرد الذاتى، تدخل سردي مجهول المصدر، لا نعرف هل هو استدعاء معلومات ذاتية قديمة لدى مها السويفي أو إخبار جديد من أختها، ام انه من إخبار زوجها، وبعد ذلك مباشرة يبدأ الراوي العليم بتسلم زمام السرد الروائي الأشمل فى رواية (لهو الأبالسة).
وتمضى الرواية خالقة لنفسها أساليبها السردية، غير خاضعة لأيه تقنيات محددة ، سوى ذلك التدفق القادم عبر آلة الكتابة، وينتقل السرد من شخصية إلى شخصية ومن زمن الى زمن ومن مكان الى مكان ومن حدث الى حدث دون أية اشعارات مسبقة، ودون أية محذورات محبطة سوى تقنيات ذات دلالة من مثل أقواس صغيرة، أو شارحة عابرة، او نقطة فى سياق السرد،او حوار مفاجئ او مونلوج متبادل صامت، وسييتداخل احياناً السرد النثري الروائي مع مقطعات شعرية، وسيتداخل الوعي الحاد بالأحداث، بالغياب الكامل عنها فى تفتت الوعي وانسفاحة على الأوجاع والجنون والألم والمرض، وستختلط الحكاية الواقعية المسرودة مع حكايات الجن، والأبالسة والشياطين مما يزخر به الموروث الشعبي خاصة بين جدران العشش الفقيرة والغرف المعدنية الصدئة، لا قانون فى السرد هنا، حيث لا قانون أيضاً يحكم الحياة المتداعية غير المعقولة فى عالم ظلامي اسود لا مجال فيه لاية أمال حقيقية واضح. ومثلما تختلط تلك الأشياء تختلط اللغة الفصحى الساردة، بلهجة الشخصيات البسيطة حيث العامية المزخرفة باقصى درجات التدني الاجتماعي، فى  الوقت نفسة الذى تتعالى إلي الذروة انطباعات الفصحى  حين تلبس حدثها وزمنها ومكانها ومتكلمها . وفي كل ذلك لم تفقد الكاتبة الروائية ( سهير المصادفة ) . دفة قيادة السرد ، ولم تفقد خيوط ومصائر شخصياتها ، ولم تترك المكان ، او الزمان ، إلا وأوصلته الى حافة الشاطئ الاخير ، لتلتقي كل الدروب الى النهاية المقدرة ...... الموت ( لا فائدة يا نجوى ، لا فائدة . سأظل احبه حتى الموت ، هناك قانون ما يجعلنا نتكئ معا على حافة الارض لنرفض السقوط معا او الدخول معا ، ولا توجد طريقة لحل هذا الاشتباك، حتى الموت نفسه إذ أننا أيضا سنوت معا . كل المأساة يا نجوى اننا مختلفان واحمد الدالي لا يجيد إلا الفعل أي إنه يعيش الحياة ، وأنا لا أجيد إلا البوح أي إنني مثل سمكة الجيتار أتفرج على الحياة وفي المفترض الا نجتمع ابداً ، ولكننا اجتمعنا) ص291
اخيراً:
    هل تلتقي الروائية (سهير المصادفة) ،مع بطلة الرواية ( مها السويفي) ، ولماذا اسأل هذا السؤال ؟ وهل يعني ذلك شئ ما ؟ لن أجيب عن السؤال ، وقد تختلف الآراء حول ذلك ولكل حججه ومفاهيمه. المهم ان الروائية قدمت لنا عالماً تخيلياً شاسع المدى ، يصاحبه عالم واقعي يرافقة ويمسك بيده ، والعالمان يعبران سوية ، حواجز الواقع والفن ، الألم والأمل ، الحب والكره ، الحياة والموت ، ليعيد صياغة القصة من جديد ، قصة الإنسان في كل مكان وفي كل زمان.